ومضة.
كانت تشعر بنظرات جميع الجنود مثبتة عليها، خليط من الشفقة والسخ*رية.
تنفست بعمق، تنهيدة شبه غير مسموعة احتوت كل ألمها المتراكم.
فكت أزرار زيها العسكري وخلعت ببطء القميص الداخلي، المبلل بالعرق.
تجمّدت الكتيبة، المعتادة على الصوت والصراخ، في صمت تام.
جسم صوفيا لم يكن لجندي رياضي محترف؛ كان نحيلًا، مع عضلات محددة قليلًا بالتدريب.
لكن لم يكن جسدها هو ما أوقف أنفاس الجميع.
كان ما يغطي كتفها الأيسر.
لم يكن ندبة حرب، ولا عبارة ملهمة.
كان وشمًا معقدًا، محفورًا بالحبر الأسود والذهبي، يمثل شعارًا معينًا: نسرًا ذا رأسين مع تاج من أوراق الغار ونجمًا بسبع أطراف في الوسط.
كان رمزًا لم يره معظم الجنود من قبل.
لكن القائد فيغا رأى.
فيغا، الذي كان قد تقدم خطوتين لمواصلة الصراخ، توقف فجأة.
عيناه، اللتان كانتا تحترقان بالغ*ضب قبل لحظة، ثبتتا على الوشم.
بدا الدم وكأنه ينسحب من وجهه، تاركًا بياضًا رماديًا تحت جلده المحروق بالشمس.
النسر ذو الرأسين.
الشعار غير الرسمي لمجلس المؤسسين للقيادة العليا.
رمز لا يحمله إلا أولئك المرتبطين مباشرة، بالدم أو بالتعيين المُستمر، بالعائلات التي صممت الهيكل القانوني والعسكري للبلاد منذ أكثر من قرن.
ابنة جنرال، ربما.
لا.
أكثر من ذلك.
فيغا، الرجل الذي تحمل النيران والضغط من مئات المحاكم*ات العسكرية، شعر بقشعريرة لم تكن لها علاقة بالمناخ.
مرت ذهنه بسرعة بكل ملف تجنيد وقع عليه.
صوفيا غوميز.
اسم عادي.
بدون اتصالات ظاهرة.
لكن الوشم… الوشم كان بمثابة حمل رقم الحساب المصرفي للجنراليسيمو على الجلد.
اقترب فيغا، حركاته الآن بطيئة وأخرق، كما لو كانت حذاؤه يزن مائة كيلو.
مرت نظراته على حدود الحبر، ثم ارتفعت إلى وجه صوفيا، الذي كان ينظر إليه بهدوء بدا الآن محسوبًا، ليس خائفًا.
“قائد”، همست صوفيا، صوتها منخفضًا، لكن واضحًا.
“طلبت فحصًا.
هل انتهيت؟”
ابتلع فيغا ريقه.
كان الصوت يرن في الصمت المطلق.
كان قد أهان، وذل، وأمر بالعرض العلني لشخص كان، وفقًا للقواعد غير المكتوبة للقوة، لا يُمس.
ليس فقط لا يُمس، بل ربما الوريثة لثروة ونفوذ يمكن أن يمحوا مسيرته، ومعاشه، وحياته في لمح البصر.
القائد فيغا، الطاغية في المعسكر، ترنح قليلًا.
فتح فمه ليصرخ، ليأمر، ليخفف، لكن الشيء الوحيد الذي خرج كان همسًا مكسورًا.
“إلى… إلى المستشفى!
جندي غوميز، اذهبي فورًا إلى المستشفى!”
كان الأمر لا معنى له.
لم تكن مصابة.
لكن الشيء الأكثر إرعابًا للجنود لم يكن الأمر، بل الطريقة التي انهار بها فيغا، الرجل الفولاذي، من الداخل.
كانت سلطته قد تبخرت.
استدار فيغا نحو الكتيبة، بعينين جامحتين مليئتين بذعر لم يروه من قبل.
“كل إلى الثكنات!
راحة فورية!
وإذا تجرأ أحد على ذكر كلمة مما رآه هنا، أقسم بالله أنني سأدف*نه حيًا!”
تفرقت الكتيبة في صمت رعد، تاركة فيغا وحيدًا، ينظر إلى الغبار، يتساءل كيف أدان حياته بسبب إزعاج طفلة.
وصول القاضي والدين الشرفي
لم يكن ذعر القائد فيغا بلا سبب.
لم يكن شعار النسر ذو الرأسين مجرد رمز للسلالة؛ كان معرفًا للأمان من المستوى ألفا.
كان يعني أن صوفيا غوميز لم تكن مجرد ابنة جنرال، بل حفيدة مباشرة للمارشال أوغوستو غوميز، الرجل الذي يتحكم في 60% من التعاقدات العسكرية والذي تقدر ثروته بمليارات.
أغلق فيغا نفسه في مكتبه، يتصبب عرقًا باردًا.
حاول الاتصال بأصدقائه في القيادة العامة، لكن هاتفه كان مشغولًا أو لم يجيبوا ببساطة.
كان الصمت هو الإجابة الأكثر وضوحًا: كان مصيره قد كُتب بالفعل.
كان يعلم أن ما فعله لم يكن مجرد قلة احترام؛ كان انتهاكًا لبروتوكول الأمان الذي يحمي أفراد “العائلة” أثناء أداء مهام سرية أو اختبارية.
كانت صوفيا هناك لتبتلي نفسها، بدون امتيازات.
وكان فيغا قد أفسد ذلك الاختبار بأكثر طريقة مهينة ممكنة.
“اللعنة! اللعنة على غروري!” ضر*ب جبينه بباطن يده.
بعد دقائق، كسر صوت مروحية بلاك هوك صمت المعسكر.
لم تكن مروحية الإمداد المعتادة.
كانت هذه سوداء مطفية، بدون شارات ظاهرة، وهبطت بدقة قاسية في وسط ساحة العرض.
نزل منها ثلاثة أشخاص.
اثنان كانا حارسين أمنيين خاصين، يرتديان بدلة داكنة، مع وضعية مفترسين مدربين.
الشخص الثالث كان رجلًا في الستينات، يرتدي بدلة من الكتان النظيفة التي تتناقض مع غبار المعسكر.
كان شعره أبيض مثل الثلج، وكان يرتدي نظارات بإطار ذهبي.
كان المحامي صمويل برايس.
لم يكن عسكريًا، لكن سلطته القانونية داخل الهيكل كانت أكبر من عشرين جنرالًا.
كان معروفًا باسم “قاضي الظل” لأنه كان يتعامل مع جميع الأمور الحساسة لعائلة غوميز.
خرج فيغا مسرعًا من مكتبه، يعدل قبعته، محاولًا إظهار السلطة التي لم يعد يشعر بها.
اقترب برايس، دون حتى أن ينظر إلى فيغا في عينيه، كما لو كان قطعة من الأثاث.
“القائد فيغا”، قال برايس، صوته ناعم، شبه همس، لكنه يخترق.
“أفهم أنك مررت بمواجهة… غير عادية مع الجندي صوفيا غوميز.”
وقف فيغا في انتباه صارم، خشية أن تنكسر عموده.
“السيد المحامي برايس.
كان حا*دثًا بسيطًا.
سوء فهم تأديبي.
تم حله بالفعل والجندي تحت…”
“صمت”، قاطعه برايس، رافعًا يده المغطاة بالقفاز.
“لا أريد سماع روايتك للأحداث.
أريد الحقيقة الموثقة بالفعل.”


