مُنقذي التاسع و الثلاثون

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالصفحة التالية

وقفت قدامُه بتقول و عينيها بتذرف الدموع:
– لاء تنفع تتأجل .. إنت عايز تمشي عشان دُنيا مش أكتر!

بصلها و قال بهدوء:
– أنا محتاج أريح أعص,,ابي و هي كمان! و دي فرصة كويسة لـ ده!

– طب و أنا .. مبتفكرش فيا خالص!!
قالتها بصدمة من. وحدانية التفكير دي، بتشاور على نفسها فـ بيحاوط وشها و يُقبل راسها بيقول بثبات:
– إنتِ أمي حبيبتي .. بس حقيقي أنا عايز أمشي، خلي بالك من نفسك و منها، هكلمك على طول أطمن عليكوا!

يئست من إقناعه فـ سكتت بتبعد من قدامه عشان يكمل ترتيب شنطتُه، قعدت على السرير بتبصله بعيون حزينة، أخد الشنطة و تليفونه و كل ما يخصه و إتحرك برا الجناح، سمر لحقتُه بتمسك في دراعه و بتقول راجية إياه:
– طب إمشي بكرة .. إنت كدا كدا مش مرتبط بحاجة و تقدر تطلع بطيارتك في أي وقت!

– النهاردة أحسن!
قال بإيجاز يربت على ضهرها، و سابها و مشي و هي فضلت وراه، وقف على أعتاب السلم و عينه راحت تلقائيًا على الأوضة اللي قاعدة فيها، بابها مقفول و كإنه رافضة تودعُه، كان بيتمنى ياخدها في حض,,نه قبل ما يمشي علُّه يتصبر بيه، إتنهد و شال الشنطة التقيلة و نزل على السلم، لف و بص لأمه اللي قعدت تعيط على السلم، قعدت قدامها و حاوط راسها يقبل جبينه و شعرها بيقول بحنان:
– متعيطيش يا حبيبتي .. أنا مش هتأخر!!

كان المشهد على مرأى من دُنيا اللي فتحت الباب بحذر شديد و بتبص للي بيحصل بتكتم شهقاتها بإيديه، كانت عايزه الحض,,ن ده و النبرة دي بردو و إنه يطمنها إنه مش هيتأخر، عينيها لمعت بالدموع و هي شايفاه بيحض,,ن أمه و بعدها بيجر شنطته و بيبعد احد م توارى عن أنظارها، جريت على نافذة الاوصة بتستخبى ورا الستارة و بتشوفه و هو بيركب العربية و السواق هو اللي بيسوق، أول م العربية إتحركت و شافتها بتمشي لحد م إختفت من ورا سور الفيلا .. إنهارت، وقعت على الأرض و صوت بكاءها يتعالى، لدرحة إنها بقت حاسة إن نفَسها بيخرج مبيدخلش، بتميل لقُدام و بتخبط الأرض بإيديها و شهقات متوصلة خارجة منها، و إسمه بيتكرر على لسانها:
– سليم .. سـ .. ليم!!!
فضلت على الأرض بتعيط و بتحاول تتنفس، مكانتش تتخيل إنه ممكن يسافر و يسيبها و مكانتش تتخيل أبدًا إنه يوم م يسافر مش هتترمي في حض,,نه و تودّعُه

يوم مكانش بيخلص، عدى عليها كإنه سنة، معملتش فيه حاطة غير إنها كانت بتنام و تقوم .. تنام ساعة .. تصحى تدور عليه و متلقيهوش فـ تنام تاني و دموعها بتحفر خديها، بدأت بطنها تص,,در أصوات من شدة جوعها لكنها كتمتها بالنوم مرة تانية، لحد م صحيت الفجر و صلت فروضها اللي فاتتها في صوات لم تخلو من العياط، و راحت للمطبخ تسد جوعها بـ ثمرة فاكهة نزلت زي الن,,ار في معدتها .. حتى جوفها مش قابل الأكل، رجعت لجناحهم و دخلت الاوضة بتبص في أرجائها بعيون منتفخة من العياط، دخلت أوضة اللبس اللي كلها كانت مُعبَّقة بريحة عطرُه الرجولية، أخدت قميص من قمصانه و نامت على الكنبة في الأوضة حاضنه قميصه بتتكلم معاه كإنه هو:
– ليه مشيت .. مكنتش عايزاك تمشي، كنت زعلانة منك و شوية و كنت هصفى، ليه كل مرة بتوجعني بطريقة شَكل؟ ليه مجتش تحض,,ني طيب قبل م تمشي؟ ليه متصلتش لحد دلوقتي؟ بهون عليك عادي كدا؟

تساؤلات مكانتش بتخلص، مقدرتش تنام، هتنام إزاي و ريحة قميصه و عطره مالية المكان و حاسة بيه حواليها، فضلت صاحية لحد م الساعة جات تسعة صباحًا، قامت بصت في المرايا .. إتصدمت من منظرها، شعرها مُشعث رغم نعومته و تحت عينيها هالات قوية، هدومها متبهدلة و شكلها غريب، وقفت تسأل نفسها سؤال واحد .. هو الحزن بيعمل كل ده!!
أخدت هدوم و دخلت تاخد شاور، كانت المياه السُخنة تختلط بـ دمعاتها الأشد سخونة، و لما خلصت نثرت من عطرُه، في كل جسمها و على بيجامتها، حمدت ربها إن النهاردة أجازة في مدرستها و إلا مكانتش هتقدر تروح بعينيها المنتفخة و وشها الدبلان، خرجت متجهة لغرفة سمر، دخلت و لقتها ثاعدة على المُصلية و بتدعي، قعدت جنبها على الأرض بتبصلها و هي بتمسح على وشها بعد الدعاء، فـ تمتمت دُنيا بحرج:
– حرَمًا

بصتلها سمر بشفقة على محياها المُرهقة، عِرفت إنها قضت ليلتها بتعيط، مسحت على وجنتها برفق بتقول:
– جمعًا يا حبيبتي

و كإن تربيتها على وجنتها بهذا الحنان الفطري كان الإشارة الخضراء التي سمحت للدموع بالجريان على وجنتيها، بصت في الأرض و قالت بشفاه ترتجف:
– هو سليم .. متصلش؟

هتفت سمر بعد تنهيدة ضيق:
– أبدًا يا بنتي والله، متصلش من ساعة م مشي .. خايفة عليه أوي ربنا يستر!

نغز القلق قلبها، بتقول بهدوء حاولت جاهدة تحافظ عليه:
– خير إن شاء الله .. يمكن وصل و نام من تعب السفر

تابعت بعيون متلهفة:
– طيب هو مقالش رايح فين؟

هتفت الأخيرة بإبتسامة:
– مسألتيهوش؟

نفت براسها بتفرك بأناملها و بتقول:
– مدانيش فُرصة

تنهدت سمر و قالت:
– مداش لحد فرصة، بس هو كان قايلي إنه رايح لندن، بس معرفش هيقعد أد إيه .. إن شاء الله مش هيطول!!

أومأت لها دُنيا و سكتت بتبص للأرض، لكن صدح رنين هاتف سمر فـ إلتقطته الأخيرة بسرعة من فوق الأريكة بتقول بكل لهفة:
– سـلـيـم!!!

إنتفض قلب دُنيا و عينيها بتتوسع بتبصلها بكل لهفة و هي بتجيب:
– سليم حبيبي .. وحشتني والله يا سليم!!

أدمعت عيون دُنيا بتحاول تنظم أنفاسها اللي هربت و راحتله، فتحت سمر السبيكر و هي شايفة دُنيا متلهفة لسماع صوته، و جه صوته فعلًا العميق بيقول بهدوء:
– وحشتيني أكتر يا أمي .. عاملة إيه؟

مجرد سماع صوته خلاها تغمض عينيها حاسة بـ دقات قلبها هتتمرد و تطلع برا قفصها الص,,دري، إشتاقت لصوته و لمساته و لـ دفء أحضانه، قالت سمر و هي بتربت على كتف دُنيا:
– بخير يا حبيبي الحمدلله يا حبيبي .. متصلتش ليه إمبارح يا سليم كان هيجرالي حاجة من قلقي عليك!

– معلش يا أمي لما شوفت السرير إتق.تلت نوم!
سمعت ردُه و كان تخمينها صح، بصِت لأناملها مستنياه يذكر إسمها بأي شيء، قرأت سمر ما يجول بخاطرها، فـ قالت و هي تنظر لـ دُنيا بـ نظرات ذات مغزى:
– طيب يا حبيبي مش عايز تكلم دُنيا؟ دي إمبارح كانت هـ ..

بتر عبارتها لما قال بجمود .. نبرة أذِت دُنيا و خلتها تتمنى المو.ت و هي قاعدة:
– معلش يا أمي هضطر أقفل عشان معايا مكالمة شغل!

إنفطر قلبها و هي قاعدة قدام سمر اللي إتصدمت لما سمعت رده، لكنها قالت بقلة حيلة:
– روح يا سليم!

دُنيا مستنتش، لملمت خيبة أملها .. وجعها و لهفة قلبها اللي إتبدلت بـ نيران مستعرة و مشيت، سمعت نداءات سمر لكنها مقدرتش ترجعلها، دخلت أوضتها و قعدت على السرير بتحط ف
كل وجعها في المذاكرة بتردد اللي مكتوب في الكتاب بصوت متماسك:
– عانى المجتمع المصري من الهبوط و الإنكسار و غياب العدالة ..

قالت آخر جملة بصوت يشوبه البكاء و مقدرتش تمسك نفسها و إنهارت في العياط بتقوم من على السرير حاطة إيديها على ص,,درها حاسة إنها مش قادرة تتنفس، لدرجة إنها قعدت على الأرض بتعيط بإنهيار، سمعت تليفونها بيرن برقم دولي، بصِت عليه و عرفت إنه رقمه، مقدرتش ترُد، زادت وتيرة يكائها و هو بيرن مرة ورا التانية، مسكت تليفونها و قفلتُه بكل غض,,ب، فصلت قاعدة دقايق معدودة لحد م دخلت سمر بتمدلها التليفون بلهفة و بتقول:
– سليم عايز يكلمك يا دودو .. خُدي يا حبيبتي!

أخدت التليفون و حاجبيها متقطبان،و خرجت سمر بتشير لها بإنها تهدى بإيديها، حطت التليفون على أذنها و فضلت ساكتة، بتسمع أنفاسه المتلاحفة فـ عرفت إنه مدايق من تجاهلها لرنينُه، دام صمتهم للحظات قبل م يقول بنبرة مُعاتبة:
– رنيت عليكِ .. مكنتيش بترُدي ليه؟

– مكنتش فاضية!
قالت بجمود و هي بتمسح دموعها بعن,,ف و عينيها ثبتت على نقطة فارغة، فـ إتنهد و قال بهدوء:
– كنتي بتذاكري؟

قالت بنفس النبرة:
– أيوا!

– وحشتِك؟
سألها بهدوء و إبتسامة خفيفو مزينة ثغره، لو يعرف أد إيه هي وحشتُه، قالت دُنيا بجمود:
– أنا هقفل عشان أكمل مذاكرتي!

– بترُديهالي يعني؟
هتف سليم و لسه الإبتسامة على ثغره، سكتت فـ تنهد و تابع:
– طيب لو عايز تقفلي إقفلي .. أنا بس كنت متصل أقولك إنك وحشتيني!

قابلها صمته ..

فـ قال بضيق:
– إقفلي يا دُنيا .. سلام!

– سلام!
قفلت معاه و رمت التليفون على الأرض جنبها بتدفن وشها في ركبتيها و الدموع بتتساقط على وجنتيها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى